سهيلة عبد الباعث الترجمان
263
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
أما حقيقة هذا " الهو " فهي أنه واجب الوجود لنفسه لقيامه بنفسه وقيام الموجودات به ، إذ هو الأول في الوجود ، فلا يحتاج إلى موجد يوجده لغناه عن العالمين ، واحتياج كل شيء إليه لقيامه به ، فهو الواحد الأحد ، الصمد ، فالعقل لا ينكر ذلك لحقيقته والشرع يؤيد ذلك لما جاء في قوله تعالى باكتفائه الذاتي عن كل أحد : فيقول : " إن اللّه تعالى هو الأول الذي لا أولية لشيء قبله ، ولا أولية لشيء يكون قائما به أو غير قائم به معه ، فهو الواحد سبحانه في أوليته فلا شيء واجب الوجود لنفسه إلا هو ، فهو الغني بذاته على الإطلاق عن العالمين ، قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ « 1 » بالدليل العقلي والشرعي . . . وجد العالم من حيث ما هو موجود بغيره ، مرتبطا بالواجب الوجود لنفسه ، فمشيئته وإرادته وعلمه وقدرته ذاته ، تعالى اللّه أن يتكثر في ذاته علوا كبيرا ، بل له الوحدة المطلقة ، وهو الواحد الأحد ، اللّه الصمد ، لم يلد فيكون مقدمة ، ولم يولد فيكون نتيجة ، ولم يكن له كفوا أحد ، فيكون به وجود العالم . . . " « 2 » . ويميز ابن عربي بين الوجود المطلق وبين الوجود المقيد إذ أنه وجود بغيره ، فإذا كان وجود المطلق بذاته ولم يسبقه شيء ، فإن الوجود المقيد تابع له وليس أصل لأنه موجود بغيره فقال : " إن الحق تعالى موجود بذاته ، مطلق الوجود ، غير مقيد بغيره ، وليس بمعلول ولا علة لشيء بل هو خالق المعلولات والعلل ، الملك القدوس الذي لم يزل ، وأن العالم موجود باللّه سبحانه لا بنفسه ولا لنفسه ، مقيد الوجود بوجود الحق في ذاته ، فلا يصح وجود العالم البتة إلا بوجود الحق تعالى " « 3 » . ويقول : " بل هو وجود مطلق غير مقيد ، مستمر قائم بنفسه ، ليس بجوهر متحيز فيقدر له المكان ولا بعرض فيستحيل عليه البقاء . . . مقدس عن الجهات والأقطار مرئي بالقلوب لا بالأبصار " « 4 » .
--> ( 1 ) سورة العنكبوت ، الآية : 6 م . ( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الأول ، ص 380 . ( 3 ) المصدر السابق ، الجزء الأول ، ص . ص 115 - 116 . ( انظر البرزنجي ، الجاذب الغيبي ، ص 342 ) . ( 4 ) ابن عربي ، عقيدة في التوحيد أو عقيدة أهل الإسلام ، راجعه عبد الرحمن حسن محمود ، مكتبة عالم الفكر ، القاهرة ، ( بدون تاريخ ) ، ص . ص 11 - 12 .